٨‏/٨‏/٢٠٠٩


سنوات الضياع...المهاجر وموسم الهدايا
نارين
ليس لعنوان المسلسل التركي المدبلج باللهجة الشامية وبطلتها ليست لميس الحسناء ولا يحيى الشجاع الذي أعاد إلى أذهاننا صورة الرجل الأصيل ..
أنا أكتب عن سنوات الضياع بالنسبة لنا نحن المهاجرين كالعصافير المتشردة ،حتى العصافير تعود بعودة الربيع إلا نحن الغارقين في بحور الحرمان من حنين الأمهات لا نعرف متى نعود وقد لا نعود أبداً ،
منذ فترة و أنا ألملم أفكاري التي تصاحبني إلى كل مكان في بيتي الصامت ولولا وجودي فيه لما شعر هذا البيت بجنون أبداً و لو الأفكار التي تداهمني بين الحين والآخر لشعر المرء هنا في هذا الهدوء الذي اعشقه أحياناً واحتقره أحياناً بأنه يعيش في صمت أبدي..
تداهمني الأفكار فأركض من المطبخ وأغسل يداي من فقاعات الصابون وأبحث عن ورقة بيضاء محررة من الهموم و اكتب فيها أفكاري الملعونة كي لا أنساها ،
ومنذ سنوات طويلة وأنا أبحث عن مفردات مناسبة لأفكاري كي تتناسق في ذهني عن أمور كثيرة تزعجني ..تؤلمني ..تغرقني معها في مستنقعات مجهولة ، لكنني أقاوم وأحاول أن أرميها بشكل مناسب كبذور المحاصيل في تربة صالحة لعلني أجد من يشهد على كلماتي أو على الأقل يصحح أفكاري المبعثرة..
سنوات الضياع وكم هي كثيرة ، لكل واحد منا له سنوات الضياع الخاصة به يبحث عن نفسه يلملم أشلائه ليجعل من نفسه جسداً جديداً يثابر ..يغامر ..يفعل المستحيل ، وهنا بالتحديد في أوربا أتحدث عن أنفسنا نحن كمغتربين وطريقة حياتنا اليومية التي نعيشها، وفي الصورة الحقيقة لا الصورة الخيالية التي رسمها أهلنا وذوينا هناك والأفكار الخاطئة التي حملوها عن أوربا وغيرها من الدول الأخرى الغنية و القوية باستيلاء على ذاكرة الإنسان ،
أحاول بهذه السطور البسيطة أن الغي تلك الإشاعات التي أفسدت وعكرت أجواء الكثيرين هنا وهناك في الأوطان و كم مرة أغلقت الهاتف الذي يوصلني إلى أهلي وذوي هناك في القامشلي وكم مرة كذبت عليهم وحاولت أن أسبح معهم في أفكارهم الساذجة وكم مرة أجهشت في بكاء عميق لهذه العادات البالية التي لا ترحمنا ..
يذخر المهاجر المال ليقطع به تيكت طائرة ويتجه بها إلى وطنه الحبيب
يشعر أنهم في انتظاره ..أنهم لم يتغيروا ..وهم كذلك ينتظرون منه انه لم يتغير ..وأن سنوات الفراق لم تلعب في حياتنا أي دور
يشعر انه مازال في صمامات القلب اليأس هناك والمليء بالشحوم والدهون،
وفي الطائرة يخفق قلبه كطائر له 1000 جناح تطير روحه قبل أن يوصل ليكحل أحداقه بربيع بلاده،
يصل إلى المطار يشعر انه يجب أن يعود من حيث أتى فأبسط الإجراءات والمعاملات الرسمية في بلادنا تكون مستحيلة ..ومرهقة ..وتصبح قضايا بائسة
يركب المواصلات التي تأخذه إلى مكان طفولته ، يأتون إلى استقباله في المرة الأولى عل الأقل..
يستقبلونه بين أحضانهم ..يبكون على صدره يشممون رائحة جاكيته الأوربي الصنع عين تبكي وعين على الحقائب..
يشم المهاجر رائحة الغبار المتصاعد إلى أنفه يشعر انه في فلم ابيض واسود يلف زوايا البيت يتفقد الأشياء الصغيرة التي تعود به الذاكرة إلى أيام ما قبل الهجرة
تلك الأشياء التي لا يهتم بها المقيم هناك ..يتهمونه بالجنون ..! أنه الوطن الغالي الذي من أجله يمزق القلوب وعلى كل إنسان أن يجاهد في سبيل الحفاظ على تراثه التي يثبت وجوديته في هذه الحياة ، وكذلك الرغام وتلك الشجيرات وقطتنا الغالية ..وبعد مرور من أيام العز والنعيم ..ومراسيم الاستقبال ..يسألونه يا حبوب كم من اليورو جلبته معك ..؟؟
فأنا أتحدث عن مسلسلاتنا التي دبلجناها بأنفسنا هكذا مع الأيام وتقبلناها كمسلسلاتنا التي كلما ذهبنا لزيارة أهلنا هناك كي نعيش معهم لحظات من العمر الذي يسرق منا حياتنا هنا المليئة بالأعمال الغير منتهية والمليئة بالأشواق والدموع التي لا تفارق من هجر وطنه..نزور الأرض التي ولدنا عليه ونسعى أن يتعرف أطفالنا على ترابهم ويتزينوا بها ، ونجدد خلايانا المتعبة هنا في بلاد الأحلام ..وكم مرة سحقنا هناك وشعرنا بمرارة غريبة وقشعريرة كأفعى سامة تزحف على أجسادنا الميتة ..وشعرنا بمرارة الغربة في أوطاننا أضعاف الأضعاف..
أنا أسال نفسي دائما واعرف بل متأكدة أنني لست الوحيدة التي أتحدث عن هذا المسلسل التي لا تنتهي حلقاته فلماذا أهلنا متأكدون 100 % إننا هنا في أوربا نعيش في رفاهية بل نمشي على سحابات بيضاء وكل شيء هنا جاهز ويأتي ألينا إلى البيت..إي أننا في أوربا نحن الشعب الوحيد المتواجد في أوربا.. الشعب الذي تلبى طلباته مئة ب100% ولا أحد هناك يسأل نفسه لماذا وكيف؟؟ ..هل لأننا نحمل عيونا سوداء؟ هل لأننا نخترع أشياء جديدة ونحصل على جوائز نوبل كل سنة من أجل ما ننجزه بعبقريتنا ..؟ هل لأننا موجودون في قائمة غينس للأرقام القياسية لكثرة اختراعاتنا الغريبة والمدهشة ..؟؟!!
فلماذا هذه النظرة الغير دقيقة لحياة المهاجرين الذين تركوا أوطانهم تحت ظروف قد تكون من أبشع ما تكون ظروف مأساوية ..
إذاً لكل واحد منا حقيقة وقصة خاصة به لماذا جاء وكيف جاء ؟ ووصل إلى هنا ؟..وكم استغرق الوقت حتى استطاع أن يقف عل قدميه ؟.وشعر انه إنسان من جديد
ولكل واحد من المهاجرين قصص لا تصدق في أكثر الأحيان تكون أشبه بمغامرات أنديانا جون
أوربا حلم الكثيرين أن يعيشوا فيها ولكن ما هي أوربا وما هي حقيقتها التي قلة من الناس يدركوها و يستوعبوها ...
هل جئنا إلى أوربا فقط من أجل أن نفتح أكياساً تشبه أكياس القطن و نحشيه باليورو إلا توجد أسباب أخرى وقضايا أخرى من أجلها أتينا أو من أجلها نعيش ونسعى ..؟؟
فلماذا إذاً كلما اتصلنا عبر وسائل الاتصالات العصرية يطعنوننا بألف خنجر وخنجر ...
مثلاً هذه بعض ما أسمعه باستمرار و اتشائم بل تنقلب معدتي حتى أشعر بغثيان ..
ابن فلان وفلان بعث إلى ذويه مبالغ خيالية وفي مدة زمنية قصيرة ؟؟!!
ابن فلان وفلان اشترى منذ أن ذهب إلى أوربا سنة ونصف وهي مدة صاروخية تقاس بسرعة الضوء..اشترى 3 فوكسات ويدورون على قطعة ارض كبيرة له كي يشيد عليه ناطحات السحاب ؟؟
أوف أوف ..من هو ابن فلان ..؟؟ ..ماذا كان يعمل هناك في الأصل ؟؟..وما هي هذه المهنة التي تجلب له هذه النقود التي تمطر عليه كأوراق الخريف المبعثرة؟؟
الصورة الحقيقية لأوربا ..
يضطر الكثير من أهلنا وأحبائنا في الوطن أن يهاجروا والأسباب كثيرة ما شاء الله والكل يعلمها منها الظروف السياسية التي تخنق الحريات الإنسانية و ممارسة سياسة الفقر ضد شعب محروم من كل شيء حتى اسمه لا يمتلكه كي لا يكون هناك مجال ضمن جمجمته الذي يسيطر عليه الجوع و لا يفكرون بشيء آخر إلا الحصول على لقمة العيش لأسرهم لإنفاذهم من الموت البطيء، منها الظروف المعيشية والملل الذي انتاب المواطن الذي يعتبر من الدرجة 60 تحت الصفر ،منها الحالة اليائسة لشبابنا العاطلين عن العمل بعد أن قضوا وسهروا ليالي طويلة من أجل أن ينجحوا ويتفقوا في دراستهم وعدم الحصول على الوظيفة و اليوم تجدهم بائعاً للجوارب واليانصيب والخضرة في شوارع وأزقة قامشلو والهروب وراء الأحلام ...
منها من لا يستطيع أن يبتهج بنفسه ويتزوج و يشيد دولته الأسرية الصغيرة لينطلق إلى عالم سعيد ومستقر بعض الشيء..منها عدم وجود ترفيهات تملئ الفرحة على شبابنا وشاباتنا الذين يسعون وراء أشياء تافهة ويملون بها الفراغ الذي بدء ينهش من أجسادهم الجميلة ...
وأسباب كثيرة وكثيرة ....لا تنتهي ..
فيبدأ التخطيط لهجرة هذه الأرواح للبحث عن جزيرة السعادة التي تنقذهم من هذه الدوامة وهذا الموت البطيء ، تبدأ الرحلة ببيع ممتلكاتهم وكل شيء بحوزتهم وتبدأ رحلة كولومبس لاكتشاف كنوز الهند في الطريق إلى أوربا تبدأ أولى الاكتشافات المأساوية وهي مثلا السير في طرقات غريبة وعرة وطويلة ليلاً و نهاراً حتى عبور إحدى حدود البلدان التي تصل إلى الدول الأوربية وكم مرة ومرة سمعنا بأنهم القوا بهم في السجون ..أو مات أطفالهم في هذه الطرق الغير أخلاقية ..
أو عبر البحر حتى نجد فلذة أكبادنا وهم يغرقون على شاشات التلفاز ..
الوصول إلى أوربا (مملكة الثلج)
يبعثونهم أول الأمر إلى تجمعات سكانية ويبدأ التحقيق معهم لماذا أتيتم وكيف أتيتم ..؟ والمهاجرين يلاقون صعوبة كبيرة جداً للحصول على الإقامة وخاصة في الآونة الأخيرة وبعد إحداث 11 سيبتمبر الذي اثر على العالم والإسلام والمهاجرين بشكل اخص ومنهم من لم يحصل على الإقامة منذ أكثر من 15 سنة تحت ظروف معيشية أشبه بالسجون المفتوحة
إي أنهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من مكان لآخر إلا داخل المنطقة التي يحق لهم الوجود فيها ..
منهم يحصلون سنين على بطاقات تبدل بالمواد الغذائية كبطاقات تشبه البطاقات التموينية التي تذكرنا بالقامشلي !!السكن في هذه التجمعات ربما لسنين طويلة في غرف صغيرة ذات مساحات صغيرة ..ثم يبدؤون في عملية اكتشاف القوانين التي تخص الدولة وحياتهم تكون مليئة بأوراق المحامي والمحكمة من اجل الحصول على حق اللجوء ...السياسي والإنساني ...ناهيك عن إن أكثريتهم يعيشون في قلق دائم لأنهم على وشك التسفير من حيث أتوا ..
حياة المهاجرين الذين حصلوا على الإقامة
تختلف نفسية المهاجر من شخص إلى آخر بحسب الظروف التي أجبرته على الهجرة والبلد الذي منه جاء إلى بلاد الأحلام سعياً إلى حياة آمنة وأفضل ,لكن حياة المهاجرين بشكل عام وواقعهم اليومي متشابهة نوعا ما من بعضها البعض..
الحياة في أوربا حياة سريعة جدا مرض العصر الذي يعاني منه الجميع وهو الإرهاق قلة الوقت و السعي وراء حياة أفضل
منهم من يكون هدفهم في أوربا السعي وراء تجميع المال بشتى الأساليب (الشرعية والغير شرعية ) والنتائج واضحة على الحالتين
الهرولة من دائرة إلى دائرة , أن كنت تعمل أو لا تعمل مثلا أن تدفع فواتير الكهرباء والغاز والتلفون والحضانة والضمان الصحي وكثيرة هي هذه الفواتير , ويعاني المهاجر من إضرابات كثيرة في نفسيته بسبب الظروف الصعبة والواقع الجديد وصعوبة التأقلم في الغرب و حتى انه يعاني من إضرابات في النوم وأحلام مزعجة ترافقه سنين طويلة والى جانب كل ذلك حنينه إلى الوطن والتفكير الدائم بأيام ما قبل الهجرة وحنينه إلى أهله وذويه , ويبقى هاجس العودة إلى الوطن كظل يرافقه طوال حياته وتمر سنين طويلة ويجد نفسه إن العمر ذهب وانه مازال يحمل راية العودة في كل خطواته فينغلق على نفسه أكثر الأحيان ويحاول أن يغلق كل الأبواب كي لا يسمح لأية تغيرات أن تلعب بسلامة أسرته وأطفاله وتتحول أحياناً كثيرة إلى منازعات وشجار وتفكك أسري ..وفقدان أولاده مثلا ..لأنه يخاف من أحلاله وصهر نته في بحور أوربا التي يخشى منها..
يعاني المهاجر يوما بعد يوم من الغربة ويحاول المستحيل أن يفعل المستحيل كي ينقذ أهله وذويه من الفقر الذي عان منه ومازال أهله يعانون منه و يتحدى الظروف ويتعب ويشقى في سبيل أن يؤمن لهم المال ويرسله لهم ..ولأهل مع الأسف لا يمكن أن يتصوروا قسوة الحياة هنا وان الشخص المهاجر هو الضحية وهو الذي يتخلى عن أشياء كثيرة في سبيل أن يقدم لهم المال
وتتكون فكرة أهلنا الخاطئة هناك في الوطن أن كل من يعيش في أوربا يعيش حياة الأمراء والأميرات ..ويستغلون الكثير منهم كلمة أوربا السحرية ذات المزايا العالية الجودة في كل شيء ويطلبون أكثر وأكثر من المال ويضطر المهاجر أن يجهد نفسه أكثر وقد يفكر في طرق وأساليب أخرى ليضاعف مجهوده في الحصول على اكبر كمية من المال لينقذ أهله باستمرار..
الحياة في أوربا هنا مبنية ومرقمة وكل دائرة تحتاج إلى الوقت بأسلوب عصري وهو الانتظام وانتظار الدور حتى وان كنت ابن وزير..والنقود التي تساعد الدولة مواطنيها هي كحلقة حلزونية يعطونك ليأخذوها منك أي لا يوجد شيء في أوربا بدون أن تدفع النقود وارجوا إلغاء كلمة بلاش من كل العقول ..! ومع الأسف الشديد أتفاجئ ببعض بل الكثيرين من يعيشون هنا في أوربا وهم يعيشون هنا في بخل شديد ويذخرون هذه المبالغ ويحرمون أنفسهم من مزايا كثيرة وحياة شبه عادية ومعقولة ثم يهيئون أنفسهم للذهاب لزيارة الوطن بعد سنين طويلة من الفراق الأليم و أتفاجئ كليا أنهم هناك لا يتحدثون بصراحة لأهلهم عن الوجه الحقيقي لبلاد الثلج ولدول الغرب التي سعى أهلها بعد الحرب العالمية الثانية بكل جهد ومثابرة التعب والعناء والمواظبة على ساعات طويلة من العمل كي يبني دولته من جديد ويحل الديمقراطية عليها ويزين طرقاتها بأجمل حلة من التي تعطي البسمة على وجوه المارين فيها ...يذهب الكثيرين من أوربا إلى الوطن و يبدؤون في أساليب العنترة ويتحدثون بلغة مختلفة إلى هؤلائك المساكين الذين منهم من لم يرى المناطق المجاورة له بسبب الظروف القاسية ،
مثلا يقولون ..كل شيء في أوربا ببلاش !!!كل شيء كان جاهز هناك عندما ذهبنا إلى أوربا .!!
يعطوننا الملابس وألعاب للأطفال !! ملابس مستعملة طبعا وكذلك يحصلون عليها من الصليب الأحمر للمساعدات الإنسانية لأن هؤلائك الذين يتحدثون عن هذه الأشياء فقط جاءوا سعياً من أجل هذه الأهداف ويحرقون الآخرين بنار هذه النظريات التي بعيدة كل البعد عن الصورة الحقيقية لأوربا ..
موسم الهدايا
ينتظر الأهل الكثير من المهاجرين الذين يذخرون ما فوقهم وما تحتهم من أجل الذهاب إلى هذه الزيارة التي أشبه بحرب عالمية يسقط فيها ضحايا كثيرون .وينتظرون الهدايا ويضطر المهاجر أن يشتري لشهور ويبحث عن التنزيلات في أسواق أوربا ويضعها في حقيبته و يصطدم بالأهل لأنهم يزعلون منه فهديته لم تكن تلك الهدية المنتظرة ..و ما شاء الله لكل شخص هناك أكثر من فريق كرة قدم ..أي الأولاد فكيف يستطيع شخص أن يلبي طلبات الجميع والوزن المسموح به في الطائرة هو من 20 إلى 30 كلغ ..أي أنه ليس بابا نويل ليوزع الهدايا وتحدث خلافات كثيرة يقسم لنفسه أن لا يرجع إلى الوطن مرة أخرى من أجل هذه التفاهات ويتحسر في داخله إي أنه يشعر بأنه جاهد وثابر والله وحده يعلم كيف أستطاع أن يشتري هذه الأشياء من صميم قلبه و ثم يتفاجىء بأنهم لم ينتظروه بل كانوا ينتظرون هذه الهدايا ،بعض الأكشنات من مسلسلات زيارة الأهل من أوربا إلى الجزيرة مثلا ..سمعت أحدى النساء التي تزوجت وجاءت إلى أوربا وبعد 3 سنوات استطاعت أن تعود وتلتقي بالأهل ، لم تتعرف على البابور الذي كان يساعدنا على الطهي بجانب الغاز لنوفر بعض الشيء أو عندما يأتي الضيوف فنضطر إلى استعماله مع العلم أن الشخص الذي لم يتعرف على البابور كانت من منطقة حوالي القامشلي !منهم من يتحدث هناك مع أطفالهم بلغة أوربية ..كي يعرفوا على هذا الاندماج السريع مع الثقافة العالمية والمرتبة العليا التي حصلت عليها مع العلم وهي في الأساس لا تتقن أية لغة أخرى غير لغة الأم التي جاءت فطريا مع الحليب التي تناولت من صدر أمها و لا تعرف قواعد اللغة الجديدة للبلد الذي تعيش فيه..منهم من يرتدي هنا أبشع الماركات ويخبئ في خزانته ملابس جديدة يلبسها في هذه الزيارة فقط ومنهم من يقرف من أشياء كثيرة كانت عادية بالنسبة له وبدء يستعمل الشوكة حتى عندما يتناول الزيتون على الفطور..الأكشنات التي نراها نحن من أهلنا عندما نزورهم ...
مثلا جاءت واحدة عندي كانت أهلها قد دعوني على الغذاء وأخذتني إلى غرفة مجاورة وعكرت علي مزاجي ، قالت لي إنني لم أنجب الأولاد منذ أن تزوجت هل لديك الحل المناسب باعتبارك جئتي من أوربا ..لحظتها ضحكت في قلبي وودت أن أجهش بالبكاء في زاويا من بيتهم حتى أنني أردت أن أتناول جرعات كبيرة من السموم والحبوب ..أو أي شيء آخر يجعلني أن أطير عاليا ولا أسمع مثل هذه الخرافات ..هل كل من جاء من أوربا درس الطب وعلوم الكون !!
منهم من يقول حرام لم تعد تستطيع أن تأكل إلا بالشوكة والسكين فيهرعون من قلبهم الطيب لإحضار كل شيء ويؤمنون متطلباتهم وطلبات أولادهم
وكثيرون جاءوا إلي ووضعوا جواز سفرهم أمامي يقولوا لي ابعثي لي دعوة وخذيني إلى هناك
هل أنا بنت وزير ألماني ؟؟هل أنا مافيا والدولة تحت سيطرتي ؟؟
هذه ليست مأساتي أنا بالذات بل ربما نحن جميعاً في أوربا عندما نتهيأ للذهاب بعد سنين من الوجع والألم والحسرة وسرقة حفنة من الوطن عبر أسلاك التلفونات ...والانترنيت ...
تعكر صفوة من اجل ماذا ذهبنا وكيف أحضرنا أنفسنا وتهيئنا وكم ساعات من العمل المتواصل حتى استطعنا أن نذخر هذا المبلغ من المال كي نذهب إلى هناك ..
والصاعقة الكبرى والفاجعة الكبيرة أنهم لا يصدقون كيف وكم ولماذا ؟..لا يصدقون أننا هنا في أوربا لسنا شعب الله المختار ...وأننا لا نجمع المال من شوارعهم النظيفة وأننا نعمل أكثر من 8 ساعات والمرأة هنا في أوربا مثل الرجل تماما تعمل وتشقى ولا نجد الوقت الكافي لنتناول وجبة الفطور التي كنا معتادين عليها في الوطن مع جميع أفراد العائلة..و أتمنى أن نزيل هذا السحر عن كلمة أوربا فلا يوجد شعب يجد راحته بدون تعبه وجهده ولنجعل المكان الذي نعيش فيه جنة تأوينا جميعا ونشعر بالمهاجرين وكذلك بأهلنا الذين ينتظروننا بخير وسلامة.



إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث في الموقع

تابع جديد الموقع باضافة بريدك الالكتروني هنا

الأكثر قراءة من الرسائل

للتواصل

afifabdulrahman@hotmail.com

أرشيف المدونة الإلكترونية