٢‏/٨‏/٢٠٠٩

السورياليّة بحذافيرها
عبدالرحمن عفيف
في مجموعتهِ الشّعريّة الجديدة " الضّباب بحذافيره" 2009، يكتب الشّاعر ابراهيم حسو الشّعر بطريقته التي عوّد نفسه عليها ويصرّ أنّها، أي هذه الطريقة، هي لوحدها الشّعر. منذ الصفحة الأولى التعريفيّة بالإصدار الذي تمّ عن "دار الزّمان" وهي دار صغيرة، لكن ذات كفاءة وطموح ؛ إذن منذ التعريف الأوّل لا يرضى الشّاعر إلاّ أن يبتدع ما هو غير سويّ، ما هو غير لائق وغير معهود في الاصدارات من هذا النّوع. يكتب أنّ القصائد المجمّعة في كفّ هذا الضباب، هي فقط صالحة لغاية عام 2015، هكذا وكأنّ الشّعر منتوج غذائيّ أو آلة ما، يؤرّخ الشّاعر مدّة الصلاحيّة وزمن التلف، حيث يرمى ولا تعود له فائدة أو يصبح ضارّا.  طريقة الشّاعر في شعره هي طريقة رمي الكلمات بلا تفكّر فيما ستقيمه هذه الكلمات من جمل وعلائق والكلمات كأنّي بها يعجبها هذا اللّعب، فتتشكّل وتتناسق أو تتنافر. ويكون هناك شعر:
"نسيتُ أنّي بقربك الآن، وأنّ الوردَ الذي في يدي، لهو وردُ البارحة المنتوف للتوّ من حرارة ألفٍ وخمسمائة يد."
وهذا الشّعر يقال بهذه الطّريقة العفويّة المطلقة وكأنّ هذه الجمل هي جمل يوميّة عاديّة، مثلما يقول الانسان، أنا عطشان أو أريد الذّهاب إلى البيت. إنّ أبسط تفكّر وتروّ أمام الجمل السابقة للشّاعر، يجعل القارىء يدرك أنّ الشّخص الكاتب لهذا الكلام انسان متدرّب على قول الشّعر وكتابته، يدرك أنّه أمام شاعر. وخلال قراءة المجموعة كلّها، تتكرّر المفردات والجمل المتعلّقة بالشّعر وبعمليّة كتابته تكرارا عنيدا ولو أنّ كلّ حديث عن الشّعر وعن الشّاعر ليس في صالحهما وكأنّ كتابة الشّعر وكون المرىء شاعرا ليس إلاّ لعنة ونقمة حلّتا عليه:
" لو كنتِ مربية في بيت شعرٍلا يستحقّ العيش فيه"،"ولدتْ منّا ريحٌ أنثى قبيحة، سمّيناها قصيدة"،" بالكاد صرتُ شاعرا في قصيدة، حتّى فجّروا اللّغة بكلمة مفخّخة، وصرتُ في خبر كان."
هكذا يمضي الشّاعر ابراهيم حسّو خلال الضّباب الذي يشكّله، يمارس الجنس ولكنّه يقول لنا، كنتُ أقتل الرّيح، يذهب إلى عمله اليوميّ العاديّ جدّا، ويقول لنا، " كنتُ أفتح للحبّ ظهري، إنّه باردٌ وضبابيّ"، ينام نوما عميقا، لكنّه يقول لنا" كنتُ أعيد قصائدي التي سُرقت منّي منذ الطّوفان. إنّها سطحيّة، مجروحة، بحاجة إلى غسيلٍ ومصفاة"
وهذا دأب الشّاعر خلال كامل مجموعته، يستعمل كلّ أنواع الحيل، الكذب الأبيض، الخداع البنفسجي والمؤامرة الزّرقاء. ألسنا معه في الضّباب والضباب سترٌ والستر له كافّة الاحتمالات. لكن وبرغم كلّ هذه الأفاعيل الابتكاريّة التي تؤسّسهااللّغة، فإنّنا ندخل إلى حياة الشّاعر من خلال هذا التنكّر الذي يمارسه طوال الكتاب. ندخل ونعرف من الشّاعر" أبي الذي تشعّب وصار ذئبا، أمّي التي تئنّ كما هذه الجياد تحت حنين جارف"، نعرف من الشّاعر أنّه أيضا" غير مقتنع بالخريف الذي يتوسّط الأشجار والكراسي والبلّور الوحيد، غير سعيد بصوت النّساء على درج الكتابة." نعرف من الشّاعر أنّه" ضوء منخفض، عصفور وحيد محطوط في البرّاد"، أنّه" ثلجٌ هو الآخر، على عشبٍ ما، على ظلّ حديقةٍ منهارةٍ، على ثلج قديم."
ملمحٌ أساسيّ آخر يبدو بوضوح خلال قصائد عديدة إن لم نقل خلال كامل المجموعة، وهو أنّ الشّاعر لا يلتفتُ إلى الحياة اليوميّة ولا يحاول قطّ أن يصنع منها شعرا ومدينة الشّاعر القامشلي بأحيائها، بسكّانها، بنهر الجقجق والمتسوّلين على جسره، لا تجد حتّى سطرا واحدا لها في الكتاب. بل العكس، يهرب الشّاعر من كلّ ما يربطه بالمكان الذي هو فيه، ربّما يأخذ بيتا أو شجرة من الأشجار، لا ليسكن فيه أو يقطف منها فاكهة بل ليجعل البيت بيتا في حقل فضائي، بعيدا عن العالم وليجعل الشّجرة شجرة حديد واسمنت، لا تنمو إلاّ إلى الأسفل في الضّباب. وهو نفسه يعترف ويعكس الأشياء هكذا:" حبّيتُ دون حبّ، كحيوان يريد تعلّم القراءة وهو مذبوح"، هكذا:" متُّ من الشّعر وصرتُ أنثاه"، " أنا الشّحيح، فاقدُ قضيبه في ذكريات لا أساس لها". لكن بالرغم من هذا اللّعب، تكون لنا كوّتنا على نفس الشّاعر وعالمه، نستطيع أن نعبر من خلال هذه الصّور إلى عالمه الذي هوعالم شاعر وانسان دنياه ضباب من اللاتحديد، لا الحبّ هو حبّ والدنيا هي دنيا لا تمنح إلاّ الأمور العاديّة المملّة والشّاعر طموحه التجاوز والاختلاف واللامحدود.
إذن يقول الشّاعر حقائقه بطريقته التي هي طريقة شعراء سورياليّين، شعراء أشدّاء، متمكّنين من فنّ الشّعر. نجده في آخر المجموعة يذكر هؤلاء الشّعراء وكأنّه بطريقة لا مباشرة يفخر بكونه من هؤلاء وأنّه بالفعل قام بما يقومون به بطريقة رشيقة. منذ البداية خلط الحابل بالنابل، جعل نفسه فخذ الضّباب المريض بأنفلونزا الطّيور، جعل التي يحبّ آفّة ومربّية في بيت شعر لا يستحقّ العيش فيه؛ جعلها سمكة موميائيّة. أعلن أن سعادته ليست في الحبّ إنّما مع عمّال الشّعر السّهرانين. أعلن أنّه بالرّغم من غياب الحبيبة فإنّ الأشجار ما تزال خضراء والأزهار بهيجة، كما كان شأنها منذ الأزل ونسب هذه الجمل إلى شاعر فقير التعريف مثل وليٍّ. أعلن بعناد أنّه غير صالح للحبّ ولا للطيران، بل هو فقط يحبّ الحبّ من طرفه الأيسر والشّعر كذلك من كلّ الأطراف. أنجز الشّاعر عمله العفويّ بكلّ عفويّة، لم يصبه خوف أن يسمّي الأشياء بأسمائها وأن يتحدّث، وليس بحديث قصير، عن الخوف والفشل والقذراة والتشوّه الذي يجبر عليه الانسان جرّاء ظروف ضغط وانكار هويّة ولغة ومعنويّات. قام الشّاعر بكلّ هذا دون أن يلجأ إلى مقولات وأفكار تمّ صياغتها مسبقا، نسف بأسلوبه طريقة قول الشّعر المجترّة من قبل شعراء قصيدة النثر. جعل الشّعر نوعا من النكتة السوداء وقوّلها ما لا تستطيع الحقيقة البيضاء قوله. وكأنّي به يقول للقارىء، تعال نضحك من هذا الواقع الكريه ضحكة سوداء كالضّباب الأبيض. بقي أن أقول إنّ هذا النتاج الشعريّ شديد التعبير عن أجواء الشّاعر وبيئته ولو أنّه لجأ إلى طريقة أخرى غير الطريقة المعهودة من ذكر لأسماء الشوارع والمدن والقرى والنّاس وأنّ لفظة الضّباب لا يمكن تبديلها بلفظة أخرى وأنّها مستعملة بذكاء لا شعوريّ، معبّرة عن بيئة وناس وعوالم بشر طيّبين تطحنها وتحاول أن تجعل منها ضبابا نظمٌ مستبدّةٌ وسياساتٌ حقودة.



إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث في الموقع

تابع جديد الموقع باضافة بريدك الالكتروني هنا

الأكثر قراءة من الرسائل

للتواصل

afifabdulrahman@hotmail.com

أرشيف المدونة الإلكترونية