٢٤‏/٨‏/٢٠٠٩

فرج بصلو: والذكريات أيضاً ترحل... الذكريات ليست بركان لتتفجر وتثور دفعة غزيرة, لتجري انهراً من نار ودخان على المسالك. إنما هي حصان جامح أصيل يعرف الدرب ويختار السبل على مزاجه. لا يجوز لكزه للإستعجال. لا يجوز جر اللجام بقوة. الركوب على الخيل الأصيلة غير ركوب البغال والحمير. عليك ان تكون رشيقاً, هادئاً, ان توميء برقة وبرفقة ما تريده. سيفهمك الشهم من أخفف تلميحة. فإن أراد الإنحدار إلى العين. خليه لأنه يريد يرتوي. وإن توقف ليتشمم زوان البراري. فأسمح له. لأنه هكذا يملأ رئتيه قوة وعزم. والأصيل أصيل في كل ما يفعله. إنها الطباع والألفة. إنها عشرة السنين. ولكن سني الإنسان تنتهي مهما كان. يعمر مئة عام واكثر, أو ينقضي طفلاً, أو في عز شبابه. مرة سئل كونفوشيوس. ما يعني له الموت, فاجاب: ما تعنيه الحياة. وأضاف, أعني نفس الشيء أن تكون حياً أو ميتاً. فسئل: إذاً لماذا لست ميتاً؟. فرد, لأنه نفس الشيء كذلك!... الموت هو رحلة على كل حي أن يرحلها. رغم مرارة الفراق وتداعياته. إنها رحلة لإتجاه واحد. الإتجاه الذي لا عودة منه. وهذا الإتجاه هو إتجاه مستقبلي لكل من خلق وعاش فترة من الزمن. فترة تكنى عمراً. فترة تنتهي. فترة لا أكثر... قيسها بلحظة قيسها بدهر, فاللحظة تمضي والدهر يمضي كذلك. قبل سفره للشام بفترة وجيزة, ترجى عمي حنون من جدي(والده), السماح له بركوب مهرتنا الأصيلة, إلى "العويجة". وبما أنه كان يدرك تصرفات إبنه, حك جدي رأسه المحلوق على نمرة الزيرو مطولاً وكأنما أراد إستخراج الجواب من الراس بأصابعه. وعدل حطة عقاله, عاد وحك رأسه, مرر راحته على وجهه الزغب بشعيرات فاترة. تزحزح في مقعده, تاوه على مرض إبنته رحو, على الخطر المتقلب في أفكاره. ابتسم لنفسه عندما عد لذاته بحس غير مسموع وعلى خرزات مسبحته الكهرمانية, طباع ومزاجات المهرة الأصيلة. ولما لا. أليس هو الذي يكلمها كما يكلم البشر فتصهل له؟!. أليس هو الذي يغذيها بالشعير والتبن من كفه. فتلمع عيونها البنية وتبدو مبتسمة؟!. تهز رأسها. تحرك أذنيها, تقلقل ذيلها الطويل, مرحة شاكرة. مهرتنا البيضاء المسماة بيضا ذات الصيت. يركبها الشخص الغريب من الضيعة, فتأتي به إلى محلتنا, إلى درانا عن طريق الجسر الصغير. تصهل أمام الباب. ثم ترفع الزقاطة بخشمها, تدفع الباب برأسها الجميل, وتدخل بخيّالها إلى وسط الحوش. رقيقة بيضاء المسماة بيضا. أليفة ومدللة. يحضنها جدي يقبلها ويقول "عفارم عليكي يا فرسي الأصيلة". تصهل بيضا. تصهل شاكرة له بكلمات خيلية لا يفهمها إلا صافي القلب والذهن والفكر. يحك رأسه مجدداً, ينظر بأظافره المقلمة. ينظر إلى ولده حنون المدلل لا أقل من بيضا. ولكن عكسها. إذ هو أسمر الوجنة متهور. عالي الصوت, حاد النبرة, قوي البنية, شديد الباس, من رفع الأثقال, من صنع كربيج الوحل, من طبيعته المحببة للقوة للإفتتان بأنانية النفس. أليس هو الذي يدندن لنفسه امام المرآة طوال ساعات الفراغ, أغنية عبد الحليم حافظ " على قد الشوق اللي في عنيك يا جميل سلم". يحك جدي رأسه المحلوق على نمرة الزيرو, ويتحسر على مرض عمتي رحو. لقد أخبره دكتور بوغوص "إنه السل, السل ياعمي بصلو. السل لا شفاء منه". "بس هي صغيرة بنتي رحو صغيرة, وعندها أربع ولاد, مين بدو يربي أربع أيتام, أطفال؟. كل فحوصات الستشفى تدل على السل. والسل لا داء له يا عمي بصلو. ومن المستشفى بلغوني "خذوها عالبيت أحسن". وينقلها أولاً إلى دراها, على بعد شارع من دارنا. لكنها تذوب هناك. لا علاج لا عناية. زوجها إبن عمتها يشتغل على البسطة طوال اليوم. أربع أطفال برقبتها وهي تحتضر دون دراية. ويقرر ان يأتي بها إلى دارنا. أحسن إلها في الحوش الكبير. وفي من يداريها. نعيمة. وردة. جانيت. ألوس وسعدة جدتي. رحو بنتي, رحو فاتنتي. بدر البدور رحو, يفكر جدي. يحك هامته ويدمع دونما حس. يدير وجهه لئلا نراه, لكنه يجهش. يبتهل, يبتهل بحرارة وبحرقة. يعود يتذكر مقتل والديه وهو طفل. صبي وحيد وله سبع أخوات. نصيبين. سفربلك. العثمانيون. الأرمن. ذبائح. موت حروب. يفتش العساكر كل دار, يعتدون ينهبون, يقتلون. يخلفون الأيتام, يخلفون المرارة. سبع بنات وطفل وحيد. أيتام. يتذكر, الفقر, الجوع, الحرمان, الدروب, الغبار, الأنس والجن. يعدل حطة عقاله. يفرك عيناه. ورحو عمتي على فراش الموت تذوب قطرة قطرة. شعرها الأسمر تحت هفريتها الحريرية الإرجوانية, جبينها العاجي تحت ربطة قاتمة. زهرة تذبل بمرور اللحظات. "يازهرة في خيالي" يغني لها والدي أغنية فريد الأطرش متابعاً للإسطوانة ذات الحجم الهائل. يداعبها. "نص متر قطر الإسطوانة". فريد الأطرش يغني لك يارحو. وسيد درويش سيغني أيضاً, وعبد الوهاب. بس. ياورد من يشتريك؟ تبدو شاحبة وهالكة عمتي رحو. ومع ذلك وجهها يضوي, لتبدو فاتنة, لتبدو ساحرة من وهج الإحتضار. والإسطوانة تدور. تدور في الحوش, تدور على السطوح, تدور في الغرفة, تدور على الغراموفون. "يازهرة في خيالي, رويتها من فؤادي, جنت عليها الأيادي ..." . يغني والدي ويبكي. يبكي جدي, يبكي الأيتام. تبكي الدار, وطين الدار, البئر, الدالية, شجرة التوت الشامخة. تبكي دارنا وفاة ساحرتها... وتخرس الأغاني, تخرس حتى الدواجن, الكل يبكي بلا صوت كأنما أخذ الموت حس الحياة وتركنا صامتين. داهودو يسلخ صدره بالحجر, ويختلط الدم بالدمع. داهودو بكر عمتي رحو, يكسر الصمت "أموت انا ولا أنت يما". ويشهق, وينتحب ويذرف الدمع. "يمممممممممممممممممما". خيم علينا الحداد. ورغم تسليم الأمر للخالق. حزين حزين حوشنا. الشبابيك حزينة. السلم حزين. القطرميسات حزينة. المونة حزينة. الريحان, الجوري وكل الأصص حزينة. حتى نور لمبات الكاز, وسراج الليل, والنواسات حزينة. والبشر يتقبلون التعازي, ولا أحد يتعزى. صعب العزاء. من الصعب إيقاد بهجة إنطفت... صعب... صعب... . "صعب ياولدي. لسه ما فاتت السنة على وفات أختك. وبدك تروح عالضيعة. بدك تركب المهرة. إنت شيء والمهرة شيء آخر. بيضا لا تحب أن يستفزها أحد, أصيلة تعرف الدرب وتختار السبل على مزاجها. لا يجوز لكزها للإستعجال. لا يجوز جر اللجام بقوة. الركوب على الخيل الأصيلة غير ركوب البغال والحمير ياولدي!". ثم يعود يحك رأسه ليتأكد أنه أفرغه من الجواب اللازم. يعدل كوفيته, يمسك ذقنه بيمناه. يلفت مكطعه, يمرر قدمه الثقيلة على تراب الأرض, ينظر بعمي وينتظر رده على هذا الرفض المهين. "من الشام لهون أجيت من شان تركبني بغال وحمير؟ طلّع فيي بابا! أنا حنون, حنون ياللي ترك البيت وراح لدمشق لوحدو. صرت شريك بمعمل سحاب (جنازير). كل البناطير تبع مودة اليوم مع سحابات, الناس ما بدها أزرار. أجيتو من الشام راكب بريد (يعني باص, يعني حافلة) وهلأ بدك تركبني حمير؟ وكيف, كيف يابابا تغلى عليك فرس أكثر مني انا إبنك المغترب بالشام. وبعدين بكيتو وراي لما تركت الدار. بكيتو انت وماما. وعدتني بشراء راديو ترانزيزستور ناسيونال بس أبقى, ميه وخمسين ليرة راديو ناسيونال. والمهرة بيضا عندك أغلى. الراديو يغني لك طول اليوم. والمهرة بالعكس إنت اللي تغني لها. وعلى شو أنا هجرت الدار يابابا, على شو. مو لأني سئمت نفي كل شيء من طرفك. بدنا كهربا, تقول لأ. نشتري كتب, تسمينا كفار. نطلب حصان, تعطينا بغل. الدنيا عمالها تتطور بابا, أفتح عيونك. وين كنت أيام التعمير بكربيجات الوحل والبناء بالقش والخشب والوحل. واليوم صاحب متجر ومرابح, والبلد صار فيها بنوك بعد ما كنتو تخبو المصاري بتنك الكاز الفاضية. صارت شوارع. صار في مطار. لحد فكرت أجي من الشام بطيارة. وبدك تركبني حمار؟" يرفع جدي يده ليحك رأسه مجدداً. إلا أنه لا يرى جدوى في ذلك. فيهوي براحته بكل عزم على وجه عمي. ويقدح وجه عمي بشرار الضربة. "ولكككك يا حمار تقوم في وشي, أنا بصلو بنا, أنا أبوك, ولسه قلبي مجروح على أختك؟" ويغمى على جدي. ووجه عمي رغم سمرته يبدو أحمراً كالدم. ميه. ميه دخيل الله. تصرخ جدتي. يفرغ داهودو كل جرة الميه على جدي. فيستفيق ليسأل إيش صار, دخيل الله إيش صار؟. يضع والدي إصبعه على فمه متجهاً تارة نحو عمي وتارة نحونا. أوووووووووووشششششششششش. انا وحدي بدي أحكي معك بابا, ولكن, بس عن إذنك. إذا سمحت راح أحكي إذا لأ. إسأل باب السما إيش صار؟ . يهز جدي رأسه المكشوف, إذ مازال العقال والكوفية البيضاء على الأرض, علامة لقبوله بشرط والدي. فيضع أبوي العزيز إصبعه على ثغره مجدداً, وقبل بدئه بالكلام يتفوه بالههههههههههشششششششششش السابقة. نسكت. طبعاً نسكت اللعبة للكبار. والحريم كمان ليست بالحسبان. ويبدأ: طيب ياأبوي الكريم. إيش هوي الشي العزيز ياللي طلبو منك حنون. يركب المهرة لحد الضيعة ويرجع؟ المهرة وروح المهرة تغلى عليك؟ وتراب أختي رحو لسه رخو يابا. رخو. تقسى على حنون. حنون ياللي إغترب. وبدو يروح عالعويجة. روحة ورجعة بساعة وإذا كثرت تصير ساعة ونص. حنون ياللي صب معك كربيج وعمر بيوت, واشتغل على العربيات ببيع الصوابين, حنون ياللي حمل بدالك جوالات من السكر والرز. حنون ياللي فتح بسواعدو بواب الرزق والخير, يرخص وتغلى عليك البيضا؟. يحك جدي زغب رأسه, يصفن بنا جميعاً, يرانا نهز رؤوسنا صامتين. يدور بنظره حوالي الحوش بأكمله. يعود إلى والدي, ينظر ويمسك ذقنه بيمناه. ثم يقول: يعني كلتكو اتفقتو ضدي, مو هيك. يرد أبوي: لأ بابا. اتفقنا معك. واعطيه الحصان. أنت خايف على شو. عالحصان وإلا عليه؟. عالإتنين ياولدي. "إذا شاركنا بالرأي, طيب خاطرك يابا, ولا تخاف على شيء"!" "صعب!... صعب ياولدي!" يفرك ذقنه. يطلب قدح ميه. يشرب. يلتفت إلى عمي: طيب يا حنون, بس دير بالك على حالك. ولا تزعج المهرة. نكاد نصفق لقراره لكننا نتحمل, ونترقب حل المشكلة. ينادي جدي على مهرته: يابيضا تعالي. فوراً تحضر الدابة. فيوشوشها, ويداعبها, وثم يضع الرسن بيد عمي. "الله معك. إذا كان هذا طلبك". يركب عمي بيضا, فتخرج به من باب الدار كعادتها. رشيقة, هادئة, زاهية وساحرة وأصيلة. لتعود بعد ربع الساعة لوحدها دون راكبها, ترفع الزقاطة برأسها, تدفع الباب تفوت بهدوء ورصانة. عيونها تلمع وكأنها تضحك مهرتنا بيضا. ينتبه والدي فيصرخ وللللللككككك وين حنون؟ بيضاء رجعت من دونو!. يحضن جدي المهرة ويضحك. يفوت عمي من باب الدار. وهو ينزف دماً. يسب الخيل وخالقها. عمو! احكي لنا شو اللي صار. "أول ما وصلنا البرية. شديتو الرسن شوية, ولكزتها. فطارت مثل البرق. إلى حرج كليتو أشواك, رفعتني ورمتني بالشكوك. صهلت وهربت. قال أصيلة قال. والله راح أذبحها". نضحك. يضحك جدي. لأول مرة بعد وفاة عمتي رحو. نعود نضحك. للحياة مجراها. عليك ان تكون رشيقاً, هادئاً, ان توميء برقة وبرفقة ما تريده. سيفهمك الشهم من أخفف تلميحة. الذكريات ليست بركان لتتفجر وتثور دفعة غزيرة... -كونوا رشيقين وهادئين وابقوا مع ذاكرة الشّاعر والقصصي فرج بصلو في – رسائل الحجحجيك- (أوجه الثقافة الكرديّة المعاصرة).



إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث في الموقع

تابع جديد الموقع باضافة بريدك الالكتروني هنا

الأكثر قراءة من الرسائل

للتواصل

afifabdulrahman@hotmail.com

أرشيف المدونة الإلكترونية