١١‏/١٢‏/٢٠٠٩

من الأساطير الكردية… روجيه ليسكو ترجمة…:توفيق الحسيني و دلاور زنكي.حكايات شعبية (حكم وأمثال وألغاز). الحكاية الأولى حكاية اليقطين. فيما مضى من الزمان عاش أحد الرعاة في كوخ على مشارف قرية. كانت زوجة الراعي عاقراً ولم ترزق بأطفال رغم مرور سنوات طويلة على زواجهما. غير أنها وجدت عزاءها في "يقطين" واعتنت به كما تعتني الأم بوليدها، وقصارى القول فقد كان لهذا "اليقطين" النصيب الأوفى من حب الراعي وزوجته وكان هذا "اليقطين" الغريب يتخذ له مكاناً فوق رف خشبي في المنزل. وذات يوم رجع الراعي من المرعى بعد يوم دؤوب من العمل والجري وراء الخراف والنعاج وقد أنهكه التعب فتهالك على بساط بالقرب من زوجته لينال قسطاً من الراحة ولم يكد يستتب به الجلوس حتى بلغ سمعه صوت يناديه:" أبتاه" فارتعدت فرائص الراعي وخامره الذعر وصرخ: يا إلهي... ما هذا؟. أعاد "اليقطين" ما قاله: "أبتاه...مالي أراك مذهولاً...أرجوك يا والدي أن تذهب غداً إلى قصر الأمير وتخطب لي ابنته". كانت هذه الفتاة التي تحدث عنها "اليقطين" بارعة الحسن رائعة الجمال، ذات ثراء واسع، وتملك من الأراضي والقصور ما يفوق الوصف، ولكي لا يطمع فيها كل من هب ودب فقد وضع الأمير شروطاً مجحفة لكل خاطب، وكان في مجلس الأمير مقعدان، أحدهما من الذهب الخالص والآخر من الفضة، فكان الرجل إذا دخل القصر وأراد أن يغشى البلاط وهو ينوي مخاطبة الأمير بشأن الزواج من ابنته جلس على الكرسي الذهبي، وأما من كان يرغب في الحصول على هبة من هبات القصر فيجلس على الكرسي الفضي. حار الراعي في أمر ولده "اليقطين" ولم يدر ماذا يفعل فهو ليس أكثر من راع بائس فقال لولده في انكسار:"يا بني أنني لست سوى راع فقير فهل من الحكمة أن اطلب يد ابنة الأمير..؟ ولعلك سمعت بشروطه التي يعجز عنها أعتى الرجال وأنني أشد الناس عجزاً عن تلبية شروطه وآنذاك سأدفع رأسي ثمناً حين النكوص عن الوفاء بطلبات الأمير. إلا أن ولده "اليقطين" أصر قائلاً:" إني أرجوك يا أبي أن تذهب إلى قصر الأمير لخطبة الأميرة وإلا فلست مقيماً في دارك بعد اليوم". أمضى الراعي ليلهُ ساهراً مؤرقاً، يفكر في الأمر الجلل الذي سيقدم عليه غداة غدٍ، وأنه ملاقٍ حتفه على يد الأمير. وفي الصباح نهض متثاقلاً تاركاً قطيع أغنامه وسار بخطا وجلة، وقلب واجف إلى قصر الأمير، يقدم رجْلاً ويؤخر أخرى ولا يدري كيف وصل إلى القصر وكيف ارتقى الدرج إلى ردهاته. لكنه وجد نفسه وهو جالس على الكرسي الذهبي يناجي نفسه:" بعد قليل سيتدحرج رأسي على هذه الأرض... ليس في ذلك من شك". ولما أفاق من شروده رأى الأمير بهيئته الرائعة يقف "على رأسه" ويقول له الأمير: "أيها الراعي البائس... لعلك أخطأت في اختيار هذا الكرسي فإن كنت تسعى من أجل مال أو قضاء حاجة فاتخذ ذاك المقعد الفضي، وسوف نأمر لك بما يرضيك فأنت رجل طيب وفقير". قال الراعي متلعثماً: "أنا لم أجيء طالباً مالاً وما أسأت في الاختيار.. إني يا سيدي- رغم كل شيء- جئت طالباً ود الأميرة لتكون زوجة لولدي. قال الأمير: -إن كان الأمر كذلك فلي مطلب سهل. -كما تشاؤون يا مولاي الأمير. -عد إلى هنا صباحاً، وعليك أن تجلب معك إلى ساحة البلاط أربعين رجلاً من الفرسان تجللهم الأردية الحمراء، ممتطين جياداً صهباء اللون، بأيديهم الرماح الحمراء... وإن تأخرت عن ذاك جزّ الجلاد رأسك ورماه عن كتفيك. -سمعاً وطاعة يا مولاي الأمير. غادر الراعي المسكين القصر وقلبه يخفق بين جوانحه وترتجف أوصاله، وعاد إلى كوخه مغتماً مرتعباً والدموع تسحُّ من مقلتيه. وفي الكوخ وجد زوجته تنتحب وتبكي وتنتظر عودة زوجها بفارغ الصبر وعلى أحر من الجمر وإذ شاهدته هبت للقائه وأمطرته بأسئلتها: -ماذا جرى لك مع الأمير؟ -طلب مني الأمير أن أحضر له أربعين فارساً على أحصنة مطهمة. وروى لها كل ما جرى له مع الأمير وأنه قد أوعده بالهلاك إن أخفق في مسعاه. فولولت الزوجة ودعت بالويل والثبور غير أن ولدهما "اليقطين" كان يصغي باهتمام إلى حديث الراعي ويسمع دعاء الزوجة فقال يهدئ من روعها:" كفا كما هذا الذعر أصغ إليَّ جيداً يا والدي.. توجد في تلك الجهة من القرية صخرة هائلة الحجم فهل عرفت مكانها؟ قال الراعي: -أجل. -اذهب إلى حيث تقع الصخرة، وفي أعلى الصخرة فوهة فارتق الصخرة وضع رأسك في الفوهة واصرخ بأعلى صوتك وقل: "يا أحمد خان... أخوك محمد خان يهديك السلام ويرجو حضورك إلى بلاط الأمير مع أربعين فارساً بأردية حمراء وجياد صهباء وحراب حمراء. ثم عد إلى البيت". قال الراعي منتحباً إن هذا "اليقطين" سيقضي عليّ بالهلاك وفي صبيحة اليوم التالي ذهب الراعي إلى الصخرة التي وصفها له، وفعل كما أوصى به "اليقطين". غير أن الراعي لم يسمع أي رد نفياً أو إيجاباً، ورجع إلى البيت والهم يعتصر قلبه ولما دخل الكوخ سأله "اليقطين":"هل أديت الرسالة كما قلت لك؟". قال الراعي في ذل وخوف: -أجل. قال اليقطين مطمئناً الراعي: -سيكون كل شيء على خير ما يرام. استلقى الراعي على فراشه وأغلق جفنيه ولكن منظر الجلاد أطار عن جفنيه النوم ولم يستطع أن ينام. وكان الأمير قد أوعز إلى الجلاد أن يتهيأ لجز رأس الراعي لأنه كما يعتقد الأمير لن يستطيع تلبية جزء ضئيل من الشرط، إلا أن الأمير حينما خرج من القصر رأى في الساحة أربعين فارساً ففغر فاه مشدوهاً مما يرى، وها هم بالهيئة التي طلبها. وحين انضم إليه وزراؤه ورجال حاشيته قالوا له: ها قد وفى الراعي البائس بالشرط وانك يا مولاي لن تستطيع أن تمسه بسوء وليس أمامك سوى الإذعان لوعدك. ولما حان موعد ذهاب الراعي إلى قصر الأمير جّر قدميه وساقاه ترتجفان من شدة الخوف وإذ بلغ بوابة القصر وجد الفرسان يحتلون ساحة القصر، فعاد أدراجه والفرح يستحوذ على مشاعره فاستقبله "اليقطين" قائلاً: -اخبرني ماذا جرى لك يا أبي... هل جاء الفرسان؟ أجاب الراعي: -أجل يا بني. -ليس أمامك إلا أن تذهب وتأتي بالأميرة. عاد الراعي والثقة تملأ نفسه إلى الأمير وذكره بوعده فجيء بحصان وركبته الأميرة وأخذ الراعي بمقود الحصان واتى بالعروس إلى كوخه حيث يسكن "اليقطين". ولكن "اليقطين" ظل يلازم مكانه وفي المساء بعد أفول قرص الشمس غادر الراعي وزوجته الكوخ ولجأ إلى أحد البيوت في القرية. وإذ خلا للعروسين المكان زحف "اليقطين" متلوياً حتى وصل إلى موطئ قدمي الأميرة... ارتعبت الأميرة وصرخت: ما هذا... النجدة. وعندئذ تمزق "اليقطين" وانشق عنه فتى بهي الطلعة على غاية من الحسن والجمال فتعلقت به عينا الأميرة وظلت تحدق في شوق إلى الفتى الوسيم المائل نصب عينيها فعشقته وتدلهت بالحب... عشقته بسبعة قلوب لا بقلب واحد. سألها محمد خان: هل يعجبك مظهري الآن يا أميرتي؟ أجابت الأميرة: -أجل يا سيدي.. انك لرائع الحسن. وأنني مفتونة بك إلى ابعد حدود الافتنان. قال الفتى: -اذا شئت أن يكون كل منا للآخر ولا تفرق بيننا الأيام فأعدي لي قليلاً من القهوة، ولكن إياك أن تدعيها تصل إلى درجة الغليان "الفوران"... وإلا فسيكون الفراق مصيرنا ولن نلتقي من بعد ذلك. نهضت الأميرة ووضعت "إبريق" القهوة على النار ونسيت الأمر وهي تعاين جمال زوجها في ذهول فطفحت القهوة دون أن تدري الأميرة وفي الحال اختفى الفتى في لمح البصر. وعندما رجع الراعي وزوجته إلى الكوخ وجدا العروس تبكي وتنتحب في التياع شديد وتذرف دموعها فسألاها عما انتابها لكنها لاذت بالصمت ولم تحر جواباً. وإذ هدأت بلابلها أمرت حداداً أن يصنع لها نعالاً من الحديد، وقضيباً حديدياً كالعصا وآلت على نفسها أن تبحث عن محمد خان إلى أن تتهرَّأ النعال وتتكسر العصا. وقالت: “حرام علي أطايب العيش وملذات الحياة حتى ألتقي بـ محمد خان ولما تم لها ذلك. ذهبت تجوب البلاد على غير هدى وطال بها التجوال سنوات مديدة ذاقت خلالها كل مرارة حتى أن نعالها دبّ إليها البلى وتكسرت العصا وباء سعيها بالإخفاق والخيبة وأدركت أنها لن تستطيع اللقاء. ولكنها لم تيأس وقالت تحدث نفسها: "سأعود إلى مملكة والدي وسأطلب إليه أن يبني لي قصراً كبيراً على مفترق الطرق السبعة وسأجعل هذا القصر ملاذاً للعابرين والسالكين والمسافرين وسوف أقدم لهم كل أسباب الراحة وسأمنحهم الهبات السنية فلعل أحدهم يأتيني بخبر عن حبيب القلب محمد خان ولعل ذكره يأتي عرضاً في قصصهم التي يروونها". وبعد مسيرة أيام وصلت الأميرة إلى قصر والدها ورآها بحالة بائسة فرثى لها وتحسَّر من أجلها وقال لها: لا تيأسي ولا تدعي الأسى يستحوذ على نفسك. وقولي لي إن كنت استطيع أن أفعل من أجلك شيئاً؟ قالت الأميرة: -لا اطلب منك شيئاً سوى أن تبني لي قصراً على مفترق سبعة طرق وسوف يكون مأوى لكل المسافرين والسابلة. وسوف أصغي إلى أحاديثهم ورواياتهم وقصص مغامراتهم وما جرى لهم من أحداث فعسى أن يكون لدى احدهم نبأ عن الأمير محمد خان.. قال والد الأميرة في حنان: -كما تشائين يا عزيزتي. اصدر الأمير قراراً ببناء القصر، كما رغبت الأميرة على مفترق الطرق السبعة في فلاة مترامية الأطراف فأقامت فيها الأميرة مع الخدم وبعض جنود والدها وبدأت تطل من مشرفات القصر على الإرجاء وتراقب كل العابرين وتبعث برسلها للمجيء بهم فتقدم لهم المأوى والطعام والشراب حتى إذا استراحوا من وعثاء السفر طلبت إليهم أن يقصوا عليها ما شاهدوا من عجائب وما سمعوا من أخبار غريبة وطرائف ومُلَحٍ. وذات يوم في تلك الصحراء المقفرة كان طفل له من العمر سبع سنوات يقود والده الكفيف بعد أن طاف به من قرية إلى قرية، ولما حَلَّ عليهما المساء بلغا منبع نهر وقد هدّهما المسير وأنهكهما التعب فجلسا إلى صخرة هناك وقال الأب العجوز الضرير لابنه: -آه يا ولدي.. لقد نال مني المشي والنعاس يغالبني وكم أتمنى أن آخذ قسطاً من النوم وأرجو أن تسهر إلى جانبي تحرسني من الهوام والأفاعي فلست آمن شرها. ثم استغرق الوالد في النوم وظل الطفل ينظر إلى والده الراقد إلى جانبه وقد اختطفه النوم.. وعلى حين غرة سمع الطفل صوتاً صاخباً في ذلك السكون فخاف قليلاً وتوجس شراً وساءل نفسه: ما مصدر هذه الضجة؟ وإذ ذاك شاهد قِدْراً نحاسية تهبط من أعلى الصخرة الكبيرة وتستقر في الينبوع يمتلئ بالماء وتصعد إلى حيث جاءت... فكر الطفل طويلاً في أمر هذه القدر الغريبة غير أنه لم يجد لها تفسيراً ولم يصل إلى قرار بشأنها فأضمر في نفسه أمرا وقرر بينه وبين نفسه:"إذا ظهرت هذه القدر مرة أخرى سأتشبث بها وأصعد إلى مصدرها فوق تلك الصخرة أرى خباياها.". مكث الطفل متيقظاً متوثب الأحاسيس، يراقب ظهور القدر، وبعد حين لاحت القدر وهي تهبط إلى النهر، فدنا منها وتعلق بها وصعد معها إلى كهف رائع. يخلب الألباب بزخارفه... كان الكهف مشيداً من الرخام الناصع البياض وفي الكهف غرف كثيرة... ووجد الفتى فيها أربعين سريراً مرصعة بالذهب واليواقيت... اختبأ الطفل تحت احد الأسّرة وهو يمنيّ نفسه بمشاهدة ما قد يحدث في هذا المكان الغريب... وبعد ساعة من الترقب والانتظار سمع صوت حفيف أجنحة الطيور يملأ الدار... كانت الطيور حجلاً... ولما حطت الطيور على الأرض رآها الفتى تخلع ريشها ويتحول كل حجل إلى فتى وسيم رائع الحسن وعندما جلس كل فتى على سريره بدوا مبتهجين إلا واحداً كانت الكآبة بادية على ملامحه.. فتناول قيثارة ووضعها في حضنه وبدأ يعزف ألحانا تبعث على الأسى واللوعة والتحسر. ولما أزفت ساعة العشاء قدمت أم هؤلاء الفتيان وجبات طعامهم قالت لصاحب القيثارة: -يا ولدي محمد خان. لقد انصرمت أعوام وأنت عازف عن الطعام والشراب بسبب امرأة بائسة عجوز، وفي كل مساء يَرينُ عليك الصمت والبؤس حتى أننا جميعاً نحزن لحزنك ونشقى لشقائك. فتناول طعامك وانس همومك وكن حازماً ودع عنك هذا الحب والوهم. قال الفتى مكتئباً: -يا أماه... ضعي طعامي ها هنا وسوف أتناوله فيما بعد... بعد أن تسكن خلجات نفسي وتهدأ بلابلي. وضعت الأم الطعام وخرجت مسرعة. في صبيحة اليوم التالي ارتدى الفتيان ملابس الريش وعادوا إلى هيئتهم الأولى... تحولوا إلى طيور الحجل وحلقوا بعيداً عن الكهف. أما الطفل فقد ندم على دخول الكهف وأنبّ نفسه على طول غيابه عن والده النائم لدى الصخرة...: وحين توشك القدر على الهبوط إلى النهر سأتشبث بها وأعود إلى والدي العجوز ولربما يكون الآن مستيقظاً يفتقدني. ولسوف سيوبخني على ما بدر مني. كان الرجل الضرير قد استيقظ بعد سبات عميق فهتف بابنه لكنه لم يسمع رداً... حار في أمر الطفل وأشفق على نفسه وعلى الطفل معاً وحدث نفسه في خوف:"ماذا حدث لك يا ولدي؟ ربما سقط الطفل في النهر وابتلعه. ظل الرجل ينادي وهو يبكي وينتحب، إلا أن الطفل كان قد وصل متشبثاً بالقدر فوثب إلى الأرض ورأى والده على تلك الحال من الحيرة والحزن. فنادى والده:" أبتاه..ماذا حل بك.. إني هنا.. لا تجزع.. ها قد عدت إليك... لقد ذهبت إلى مكان قريب من هنا وأحضرت لك شيئاً من الخبز واللحم... فقال الوالد لاهثاً: -كيف تتركني وحيداً هنا وتذهب دون أن تخبرني؟ ألا تشفق على والدك؟. هوّن الطفل الأمر على والده وأخذ بيده وسار به في الصحراء الشاسعة الواسعة حتى وصلا إلى مفترق الطرق السبعة وهناك لاح لهما بناء ضخم مشيد من الأحجار النادرة المزخرفة... في ذلك الصرح كانت الأميرة تراقب الغادين والرائحين.. وكان الليل قد بدأ يرخي سدوله، ولما رأتهما أصرت على إحضارهما وقد توجست في مقدم العجوز خيراً. وإذ دخل هذان الغريبان القصر ونالا شيئاً من الطعام والشراب قالت للعجوز: ليس في هذا المكان المقفر قرية تأويان إليها وخير لكما أن تبيتا هنا هذه الليلة وغداً تذهبان إلى حيث تشاءان. فرد العجوز راضياً: هذا حسن يا سيدتي... كما ترغبين. أعد الخدم سريرين وثيرين للضيفين وقدموا لهما فاكهة وشراباً وقهوة وأخيراً قالت الأميرة: -أيها الجد العجوز أرو لي قصة طريفة من قصصك واخبرني عن غريب ما شاهدته إبان رحلاتك، فإني أجد في نفسي سأماً وضجراً فعسى أن ينسيني حديثك بعض شجوني. قال العجوز: -في الحقيقة... يا سيدتي ليس لدي من الطرائف والقصص ما يذهب عنك الهم ولا ادري ماذا أقول لك. فتوجهت الأميرة إلى الطفل الصغير وعزمت عليه أن يحكي لها شيئاً مما يعرف. قال الطفل: -حسناً يا سيدتي... في الأمس حدث لي أمر غريب فإن شئت قصصت عليك ما شاهدته. قال العجوز موبخاً ولده: -من أين لك قصص لترويها؟. لكن الأميرة قالت: -دعه أيها الجد... فلعله يعرف شيئاً. وها أنت ذا لا تريد أن تخبرنا شيئاً. قال العجوز: -حسنٌ.. عندئذ سأل الطفل والده: -هل تتذكر يا ولدي لحظة وصولنا إلى الينبوع وكيف رغبت في النوم بالقرب من تلك الصخرة؟. -أجل. عندما نام دبّ النعاس في جفون والدي يا أميرتي مكثت إلى جانبه مترقباً أحرسه من السباع والهوام، وفجأة سمعت ضجة هائلة تأتي من جهة الصخرة الكبيرة القائمة هناك.. ثم رأيت قِدْراً نحاسية تتدحرج فوق الصخرة.. قالت الأميرة: تعال إليّ يا طفلي واجلس بجانبي وارو لي ما جرى لك بكل الدقائق والتفاصيل. جلس الطفل إلى جانب الأميرة وبدأ يقص عليها ما رأى في ذلك القصر العجيب بكل التفاصيل. وحدثها عن كيفية صعوده ونزوله وحتى عودته إلى والده الذي كان قد قلق من اجله. ثم قال: وها نحن الآن بين يديك أيتها الأميرة: قالت الأميرة للعجوز: دع ولدك يأتِ معي ليدلني على تلك الصخرة وسوف أهبك هذا القصر بكل ما فيه من رياش ومتاع. وفي اليوم التالي قاد الطفل والده الضرير والأميرة إلى موقع الصخرة ومكثا هناك حتى الظهيرة. سمعوا ضجة هائلة آتية من فوق الصخرة ثم شاهدوا قدراً كبيرة تخرج من فوهة في الصخرة وحين وصلت إلى الأرض تشبثت بها الأميرة وصعدت معها إلى داخل الكهف وفي الداخل اختبأت تحت سرير في إحدى الغرف لتراقب ما سيجري أمامها من أمور غريبة كما اخبرها الصبي. في المساء سمعت الأميرة صوت حفيف اجنحة الطيور ورأتها كيف تتحول طيور الحجل إلى أشخاص. وجلس هؤلاء الأشخاص الأربعون فوق أسرتهم. وشاهدت محمد خان يعزف على قيثارته الحاناً شجية وهو ينتحب بمرارة وألم وحزن وحين حضر الطعام عزف عن تناوله ولما انتصف الليل ركن الجميع الى النوم فمدت الأميرة يدها ولمست يد محمد خان وذعر قليلاً ولما رأى الأميرة كاد أن يغشى عليه من هول المفاجأة ألجم الاستغراب والدهشة لسانه، حتى اذا استطاع أن يتكلم قال لها: -كيف أتيت. -مرت سبع سنوات وأنا أبحث عنك دون جدوى. وفي صباح اليوم التالي قال محمد خان لوالدته: -أماه... أنني مرهق هذا اليوم ومتوعك قليلاً ولست راغباً في الطيران والخروج هذا اليوم. -حسنٌ يا ولدي.. أمضى مع حبيبته يوماً ممتعاً تشاكيا فيه وبث كل منهما لواعج حبه إلى الآخر... ثم قال لها محمد خان: "اعلمي يا حبيبتي إن والدتي لا توافق على زواجي منك لذلك ليس أمامنا سوى الهرب من هذا المكان غير أن في الكهف ديكاً يصيح كلما طار طائر غريب من الكهف. تحول محمد خان والأميرة إلى طائرين وطارا فصاح الديك صيحة هائلة فجاءت أم محمد خان على صوت الديك وقالت في نفسها: لعل مكروهاً أصاب محمد خان. ولما وصلت إلى الكهف لم تجد فيه أحداً. وكان محمد خان والأميرة قد لاذا بالفرار. بحثت الأم عنه في كل مكان فلم تعثر له على أثر. فخرجت تبحث عنه في السهول والبراري ولكي لا تستطيع والدته الوصول إليه تحول إلى راع وتحولت زوجته إلى حمل ولما اقتربت منه والدته سألته إن كان قد رأى رجلاً وامرأة يمران من ذاك المكان فأجابها: -أجل... لقد شاهدت رجلاً وامرأة يمران من هنا. فأسرعت الأم إلى الابتعاد عنه وتابعت السير تحاول اللحاق به. وعبثاً كان سعيها فعادت إلى الراعي وارتابت في أمره لكن الراعي كان قد ولى الأدبار وتحول إلى طحان وتحولت زوجته إلى "زبونة". غير أن الحيلة لم تنطل على الأم فقالت: -يا ولدي محمد خان... لقد عرفتك ولن تستطيع هرباً أو خلاصاً... وهذه المرأة ليست إلا زوجتك. ولما عادت الأميرة إلى هيئتها الأولى أعجبت الأم بجمالها وأحبتها من صميم قلبها فقالت: -إني أبارك لكما هذا الزواج وأتمنى لكم عمراً مديداً وأياماً سعيدة. فإنني لم أكن أتصور أن تكون زوجتك على هذا القدر من الحسن والجمال. خاصّ سما كرد.


إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث في الموقع

تابع جديد الموقع باضافة بريدك الالكتروني هنا

الأكثر قراءة من الرسائل

للتواصل

afifabdulrahman@hotmail.com

أرشيف المدونة الإلكترونية