٩‏/١١‏/٢٠٠٩

إبراهيم حسو: سليم بركات في ( ترجمة البازلت )، البلاغة في نهب آخر. يتحّرى الشاعر السوري سليم بركات في جديده ( ترجمة البازلت ) عن المكنونات الخفية في اللفظة الشعرية , في روح الكلمة نفسها عندما تتبعها جذرها الغامض لتصبح الكلمة صاخبة محاطة بالفجاءة و التحولات المتسارعة التي لا تتوقف في محاكاة فكرتها الكتومة التي تستظهرها في استعادة اللغة و تشغيلها ( لسانياً ) عبر خدمة ( مرّوض) البلاغي الذي يصول في تمرين اللغة و من ثم تركها عرضة للسؤال و الشّك العظيمين . خديعة أخرى.. خيانة أخرى لا تنتهي يرتكبها مترجم البازلت في الإشارة إلى مسك الشعر من لسانه النابض , استنطاقه إن أمكن و بطرق مرعبة و أدوات تقلع الكلمات من تربتها الأولى بنفس ذلك العنف الذي مارسه في ( طيش الياقوت ) فالكلمات مثل الرمل تنكمش و تتصلب و اللفظة البلاغية ( الممتحنة ) من قبل مثل عضلة القلب تصعد و تهبط بالدم في حركة مرتبة وحشية تشبه صوت اصطكاك الدم بالدم تحت الجلد , كل شئ في ( البازلت ) ناطق و مضطرب و قابل للزوال في اللحظة الذي يولد و يموت و يصبح ذات روح و فناء : ُحزمت الأنقاضُ ُأعيدت إلى ميزان النشأة الحجرية . ُخلط العماءُ , ثانية ً , بالنقش المنقذ , و ُعلقت الآياتُ متجاورةً و المعاطف إلى مشجب الخلود الضرير . ُأريق العدمُ قدحاً على أقدام العادي الخمس , ُأريق الشكلُ من طاس الطباع كلها . الأكيد هنا ليس الحلم البشري المنكوب و ليس البياض المتناثر في كل إنحاء العين إنما بضعة وصف للقدر المجّرب بضعة يأس يُستدل به نحو دوّي الأمل المطحون بالدم في عمق العقل و بالتأكيد لن يستمر الخفي ( الوحشي ) داخل الظاهر ( الشفيف , الملاك ) و لن يتوقف حمى المعنى في طرح أسئلته أو يؤجلها متوعداً اللغة في تدبير شؤونها و تبرير مجاهلها المعروضة بكسل لوح الحقيقة المنكسر , و أظن أن بزوغ اللغة هنا و مثولها هناك ليس إلا ترفيهاً ملعوباً يرّفه بها سليم مقادير خيانته مع ذاته و أناه التي لا تهدأ من مجادلة نفسها و محادثة ( هؤلاء ) و توبيخهم في صيحات متقطعة و منبسطة و نافرة كعضلة اللسان , مجادلات القناص لفريسة بقيت حية لطلقة حية أخطأت ثمرة القلب النابضة : لهم عذرهم في البقاء متفقين على سهو كزندقة الفوفل , مذ شردت قلوبهم إذ أحبوا ( كينو ) المتوردة من جرح الاوقيانوس , الممتلئة الربلتين , المتغذية بخبز الذرة ثلاثاً في يومها , و بأقداح من عافية الجعة برغوتها . هي , الفتاة المعسولة ككلام المرائي على أتم عسله , الفتاة القبل من شفاه الطحين على شفاه المعجن . التهموا ( كينو) بالنكهات الثماني للجسد , مطبوخة حيناً في أمل القرمزي , و نيئة حيناً , على صحاف من الرغبة , مطوقة الجوارح بأضاميم من نعنع ( ليفكاس ) و أكاليل الجبل . يكتب سليم بخيال من ألم , بأصوات تنطق شكوى عارمة للوجود الإنساني و فناءه , كأنه يرّوض الإنسان في وحشيته , مستنداً إلى زبد اللغة غير آبه بضرورات ( المعنى ) و هو يتقاطع بتآلف من خيال شفاف مرير محاط ببلاغة مشتعلة على الدوام و منشغلة في لغزها و سرها المدهش الجارح , يكتب بغضب و من غضب ما أخرس أو شبه طائش بكلمات ذائبة في رخاوة صور تندفع بطيش كخطوط مخدوشة من يد العقل و هو في أوجه تناثره و تبعثره , صور مختلطة بحقائق الكون و اللون و مغتسلة بمسحوق الشّك في ارتطامه باليقين , في سردها اللامنقطع حياة إنسان تجاوز متاهات الزمن و التاريخ و الجغرافيا و أصبح حبيس المكان و مبتدع المشهد و مرتب الصوت الخفي اللامرئي لكائنات تعيش بيننا , أصوات هي في حقيقتها حدود مكشوفة بين العمق للكائن و سطحه و الأصح بين حجاب اللغة و مكاشفة حضورها , كأن اللغة هي في مهمة جمع الملغزات و تخزينها ضمن ممتلكات ( الشكل ) و استعارة ( الحركة ) في طرح أسئلتها المختطفة المحظورة و الشكل هنا ليس اختزال ( الغرابة ) أو ما تبقى من الغرابة , فما الذي يجعل من النسق ( الضمني ) كي يكون طاعة للعبث , و ما الذي يجعل من النسق نقشاَ أو تأويلاً أو مجازاً , و ما حيلة المفردة كي تتطهر من رجس ( السياق ) و تضمن عذريتها المطمورة بالتراب : كفاية هذا : مغتالون خبئوا في الجوالق ينتظرون نوم الحصون . ائتمنوا الكفاية المقتصدة في جشعها , لكن لا تأتمنوا الورد . لا يؤتمن الورد . لا يؤتمن عدل الورد . لا يؤتمن المؤتمن في كل ورد . لا تؤتمن البساتين . خبئوا رماة السهام العادلة في الجوالق تعبرون بهم على حمير المهل إلى الحصون . اقتحموها , بدجاجة الرخاء تجوب على مهل آياتهم الكبرى . و تعاود العناصر الشعرية اللامعدودة ذاتها لكن هذه المرة متمازجة في ذاكرة ملتهبة تخفق بحيوية لا تنضب , ذاكرة تستدل بالحياة و بالأبدية بكل تفصيل يتراكب كسجد يشرق على أحواله في آلام طاهرة أصيلة , العناصر ذاتها في ( بالثعالب التي تقود الريح ) لكنها مجبولة بخيال مطحون بالإسرار السريعة التي تشبه تفاصيلها الركض في متاهات عصيّة زاخرة المسالك و غامضة و ضاجة بالشكوك و الشكوى : أقدارٌ ذابلة ٌ سيكذبون بأفواهٍ ذابلة ٍ سيدعون أن لا سبب لقول الحقيقة , لا سبب للكذب , أيضاً : انه غدرُ اللسان , ُمذ لم يكن اللسانُ إلاّ غدر المعقول بالمعقول . في نص سليم بركات التناقضات في هبات منثورة و الأضداد اكتشافات رؤيوية , إنها بالمجرد تحولات لذيذة بين الشعر و صداه بين رؤيا العالم وواقع الشاعر ( الصاعق ) أو هي انتقالات بلا صخب للغة في تفجيرها نفسها و نسف بنيتها الملحمية , انتقالات داخل كمين النص و الأصح في عمقه المتعدد و الصافي الموحش الذي ينسج مرافعات الشكل و يهادن دائماً على الصراع العبثي بين الأشياء و العالم و الوجود في إعادة دراماتيكية لمواجهة الإنسان لقدره و برزخه , أو في ما يضيفه الإنسان من حصانة الشهادة إلى قانونه , أو ما يضيفه الحيوان من حصانة الغيب إلى قانونه , صراع يقتلع الشعر من جذوره و من غده الغامض العذب : لا تحرجوا الموت باعتدال من قسوة الفأل محسناً إلى كل قسوة لا تحرجوا الحياة الرّتل الحجري , الوجار , الصّون العذب كغنج الخطأ , باعتدال من قسوة لم يلحظها قلبي متناثراً فتاتاً من خبز الشك و ملحه , قدر حفنة تملأ صبر الإثم , على الله عذاباً يتقاضاه الآدميّ في مسالخ الله . و الأرجح لا غد ( لإنسان ) سليم بركات , لا أمل منظور أو ناظر على مرمى الطريق و لا إصغاء إلى التاريخ الذي يقفز فجأة بين الأنساق و الجغرافيا المنتصبة في ( الشمال ) الآدمي ليمارس حضوره ( الآني ) مأساته و نرجسيته , انه حضور أبدي مختمر , و لا بد إن يكون ذلك أزلياً طالما أن الحاضر ( الواقع ) حبيس رؤياه و خليل غربته , و لأن يكون الأزلي منحازاً لفعل وجودي , فعل يولد الحياة بكل حذافيرها و الحلم بكل صواعقه في عملية تحديث مستمرة و مشتركة مع اللغة و البلاغة التي لها هنا مذاق أخر , احتراق أخر , ضراوة أخرى في عجن الكلمات ذات طعم الفلفل المطحون على لوح العبث : ( غدرٌ ُيستعاد ُ أملاً في الغدر بلا نهاية  ) . سليم بركات ( ترجمة البازلت ) شعر عن دار المدى ( دمشق ) 2009 105 صفحة قطع متوسط عن جريدة تشرين ( ابواب ) الاحد 8-11 - 2009 ahisso@hotmail.com