٦‏/١٠‏/٢٠٠٩

علي جازو: لا تقلّد أحدا أبدا. لنطرح بعض الأمثلة- ولتكن من حقل الشعر القريب- كالمتنبي،أمرئ القيس،عمر الخيام،بدر شاكر السياب، طاغور،نازك الملائكة،رامبو، بودلير،محمود درويش، أدونيس، أمل دنقل،نزار قباني، سركون بولص، وديع سعادة، رياض صالح الحسين،سنية صالح،ومحمد الماغوط. إنها تجارب منجزة ومكتملة. وما يجمعها هنا شيوعها وشهرتها واتفاق الآراء العامة على أهميتها الثابتة!إنها أمثلة تخفي بينها أكثر من اسم وطريقة! هذا ما يمكننا دائماً أن نسمعه أو نقرأه. لا شكّ؛ إنها أحدثت أثراً عميقاً! مع ذلك فإن فرصَ التحول عنها تبدو ضئيلة أو على الأقل غير مغرية، وهي كذلك لا تختلف عن النماذج التي تحاول الأجيال المعاصرة احتواءها وتقليدها دون جدوى. الأمر أبسط من ذلك، أبسط لكنه في العموم غير ملاحظ، ولا أحد يتبناه.لأنه وبشكل مباشر وحاسم لا ينبغي على أحد أن يقلد أحداً. بالمقابل من يجرؤ _ تحت ضغط النماذج المكتملة والرائجة مديحاً وتكريساً- ألا يكتب تحت طغيانها و شبحيتها المهيمنة؟! والحال أننا غالباً ما نلتفت ونستقي من الأقرب والأسهل والشائع المعروف. لذلك فإن مقدرتنا وذوقنا ينحصر في لغات بذاتها وطرائق محددة. إننا مرغمون دون وعي على الإعادة والتكرار.الشعر، خصوصاً يهترئ ويفقد ألقه تحت هكذا اعتياد. هنا يخسر الشعر ومعه تنحبس القراءة ويتضاءل التأثر الجمالي،- القراءة على قلتها الرائجة أيضاً، في المعهود والمتناول والميسور. إنها إعادة إنتاج خائبة، تقليد يعمم الكسل والاسترخاء. يمكن للشاعر، مثلاً، أن ينصرف قليلاً إلى عالم الصور التي تقدمها الشاشة البيضاء، يمكنه أن يتأمل عملاً تشكيلياً- من الفن الذي نجهل الكثير عنه. على ماذا سنعثر إذا ما اخترنا الموسيقى والغناء أيضاً: باخ، محمد عبد الكريم، موتزرات، سيد درويش،والأمثلة تطول. ثمة مثلاً اللوحات التي قدمتها اليابان والصين خلال القرون الأربعة الماضية، وكذلك ثمة فن العمارة والنحت..الخ. من لغات غير التي نقرأ ونكتب بها يمكننا إعادة الاهتمام بأسماء ثرية : راينر ماريا ريلكه، أوسكار ويلد، بورخيس، نيتشه، كاوباتا، وايتمان، رامبو، كافافيس، باروخ سبينوزا، باشو. ثمة من لم يعد يقرؤهم إلا القلة، القلة الهائلة، بحسب العبارة الجذابة، لأوكتافيو باث. ثمة من لا نعرفهم قط. ومن لا معرفتنا تجاههم يمكن اختيار طريق غير مسلوكة؛ هي مزيج من البراءة والشهوة معاً. إننا بانطوائنا واستمرار قراءتنا لما ألفناه نفقد ما كان يمكن لنا اكتشافه في أمكنة أخرى ولغات أخرى. العالم كتاب من صفحة واحدة، لكن بالنسبة لمن لم يعرف السفر فقط. تفعل النماذج المكرسة ما يفعله الأثر السيء لمرور الوقت: تزيد من أعبائنا تجاه أنفسنا. نعتقد أننا اخترنا الأفضل والأعمق والأجدر. غير أن النماذج والأمثلة خطيرة، فرواجها القاحل مكبل ومعطل. من يبحث عن الشمس فإن حدود العالم وحدها تكون حدود بحثه. ينبغي على الشاعر، وهو محظوظ إذا ما اعتبر نفسه قارئاً قبل أي شأن آخر، ألا يحصر اهتمامه بالشعر. دوستويفسكي، وهو شاعر في الرواية، كان يقرأ كتباً عن المعادن،والأديان والفلسفة، وتقارير المحاكم والتحقيق ونقد الصور والفنانين والنصوص الدينية. نابوكوف تعلم اللغات السلافية والرومانية،إضافة إلى الروسية الأم والانكليزية اللتين كتب بهما قصصه ورواياته، عدا كونه قد تفرغ فترة للاهتمام العلمي بالحشرات، الفراشات بالخصوص. روبرت موزيل، أحد أهم روائيي العالم، تأثر بنيتشه مثلما لم يتأثر بأحد سواه.ت س إليوت كان ناقداً موهوباً ومتعمقاً ناهيك عن كونه شاعراً مهماً ، معه تحول واغتنى الشعر وتبدلت طرق ومفاهيم الكتابة الشعرية والنقدية. إزرا باوند الذي قال يوماً ما : ( يجب أن أعتذر، لأنني اعتقدت أن في إمكاني بناء فردوس على الأرض)...والأمثلة لا يمكن حصرها! ضدّ النماذج السائدة هناك نماذج أخرى. ثمة نماذج وأمثلة عديدة وهي لا تعرف القياس الآلي للأشياء، وهي مغمورة بأكثر من ضوء. ثمة غرف تتلاقى فيها أصداء عديدة،ثمة الصَدَفةُ التي بفراغها من نفسها تتملئ من جديد مثلما لم تكن من قبل، مثلما هو ( برج الحلزون الذي يتكوم على نفسه ثم ينفرد حتى حدود الاهتزاز الموسيقي)!!
عن العدد 36 من أبابيل.

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث في الموقع

تابع جديد الموقع باضافة بريدك الالكتروني هنا

الأكثر قراءة من الرسائل

للتواصل

afifabdulrahman@hotmail.com

أرشيف المدونة الإلكترونية